الشنقيطي

292

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

عنه أنه أجلى اليهود من الحجاز ، ثم أذن لمن قدم منهم تاجرا أن يقيم ثلاثا وأجيب عن هذا الدليل من جهة المخالف ، بأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم إنما رخص لهم في الثلاث ؛ لأنها مظنة قضاء حوائجهم ، وتهيئة أحوالهم للسفر ، وكذلك ترخيص عمر لليهود في إقامة ثلاثة أيام ، والاستدلال المذكور له وجه من النظر ؛ لأنه يعتضد بالقياس ؛ لأن القصر شرع لأجل تخفيف مشقة السفر ، ومن أقام أربعة أيام ، فإنها مظنة لإذهاب مشقة السفر عنه ، واحتج الإمام أحمد ، على أنها ما زاد على إحدى وعشرين صلاة بما ثبت في الصحيح من حديث جابر ، وابن عباس - رضي اللّه عنهم - أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم « قدم مكة في حجة الوداع صبح رابعة ، فأقام النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، اليوم الرابع ، والخامس ، والسادس ، والسابع ، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن ، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام ، وقد أجمع على إقامتها ، وهي إحدى وعشرون صلاة ؛ لأنها أربعة أيام كاملة ، وصلاة الصبح من الثامن » قال : فإذا أجمع أن يقيم ، كما أقام النبي صلّى اللّه عليه وسلم قصر ، وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتم . وروى الأثرم ، عن أحمد - رحمه اللّه - أن هذا الاحتجاج كلام ليس يفقهه كل الناس ، وحمل الإمام أحمد حديث أنس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أقام بمكة في حجة الوداع عشرا يقصر الصلاة « 1 » على هذا المعنى الذي ذكرنا عنه ، وأن أنسا أراد مدة إقامته بمكة ومنى ومزدلفة . قال مقيده - عفا اللّه عنه - وهذا لا ينبغي العدول عنه لظهور وجهه ، ووضوح أنه الحق . تنبيه حديث أنس هذا الثابت في الصحيح ، لا يعارضه ما ثبت في الصحيح أيضا ، عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - قال : « أقام النبي صلّى اللّه عليه وسلم بمكة تسعة عشر يقصر فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا ، وإن زدنا أتممنا » « 2 » ؛ لأن حديث ابن عباس - رضي اللّه عنهما - في غزوة الفتح ، وحديث أنس ، في حجة الوداع ، وحديث ابن عباس ، محمول على أنه صلّى اللّه عليه وسلم ، ما كان ناويا الإقامة ، والإقامة المجردة عن نية لا تقطع حكم السفر عند الجمهور ، واللّه تعالى أعلم . واحتج أبو حنيفة - رحمه اللّه - لأنها نصف شهر ، بما روى أبو داود من طريق ابن إسحاق ، عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - قال : « أقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بمكة عام الفتح خمسة

--> ( 1 ) أخرجه عن أنس بن مالك : البخاري في تقصير الصلاة ، حديث 1081 ، ومسلم في صلاة المسافرين حديث 15 . ( 2 ) أخرجه البخاري في تقصير الصلاة حديث 108 .